فصل: تَحْدِيدُ وَقْتِ الْإِفْطَارِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد (نسخة منقحة)



.فصل ثُبُوتُ شَوّالٍ:

وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَ النّاسَ بِالصّوْمِ بِشَهَادَةِ الرّجُلِ الْوَاحِدِ الْمُسْلِمِ وَخُرُوجِهِمْ مِنْهُ بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ. وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ إذَا شَهِدَ الشّاهِدَانِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الْعِيدِ أَنْ يُفْطِرَ وَيَأْمُرَهُمْ بِالْفِطْرِ وَيُصَلّيَ الْعِيدَ مِنْ الْغَدِ فِي وَقْتِهَا. وَكَانَ يُعَجّلُ الْفِطْرَ وَيَحُضّ عَلَيْهِ وَيَتَسَحّرُ وَيَحُثّ عَلَى السّحُورِ وَيُؤَخّرُهُ وَيُرَغّبُ فِي تَأْخِيرِهِ. وَكَانَ يَحُضّ عَلَى الْفِطْرِ بِالتّمْرِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى الْمَاءِ هَذَا مِنْ كَمَالِ شَفَقَتِهِ عَلَى أُمّتِهِ وَنُصْحِهِمْ فَإِنّ إعْطَاءَ الطّبِيعَةِ الشّيْءَ الْحُلْوَ مَعَ خُلُوّ الْمَعِدَةِ أَدْعَى إلَى قَبُولِهِ وَانْتِفَاعِ الْقُوَى بِهِ وَلَا سِيّمَا الْقُوّةُ الْبَاصِرَةُ فَإِنّهَا تَقْوَى بِهِ وَحَلَاوَةُ الْمَدِينَةِ التّمْرُ وَمُرَبّاهُمْ عَلَيْهِ وَهُوَ عِنْدَهُمْ قُوتٌ وَأُدْمٌ وَرُطَبُهُ فَاكِهَةٌ. وَأَمّا الْمَاءُ فَإِنّ الْكَبِدَ يَحْصُلُ لَهَا بِالصّوْمِ نَوْعُ يُبْسٍ. فَإِذَا رُطّبَتْ بِالْمَاءِ كَمُلَ انْتِفَاعُهَا بِالْغِذَاءِ بَعْدَهُ. وَلِهَذَا كَانَ الْأَوْلَى بِالظّمْآنِ الْجَائِعِ أَنْ يَبْدَأَ قَبْلَ الْأَكْلِ بِشُرْبِ قَلِيلٍ مِنْ الْمَاءِ ثُمّ يَأْكُلَ بَعْدَهُ هَذَا مَعَ مَا فِي التّمْرِ وَالْمَاءِ مِنْ الْخَاصّيّةِ الّتِي لَهَا تَأْثِيرٌ فِي صَلَاحِ الْقَلْبِ لَا يَعْلَمُهَا إلّا أَطِبّاءُ الْقُلُوبِ.

.فصل مَا يُفْطِرُ عَلَيْهِ:

وَكَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلّيَ وَكَانَ فِطْرُهُ عَلَى رُطَبَاتٍ إنْ وَجَدَهَا فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا فَعَلَى تَمَرَاتٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ. صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ فِطْرِهِ اللّهُمّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْت فَتَقَبّلْ مِنّا إنّك أَنْتَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ وَلَا يَثْبُتُ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنّهُ كَانَ يَقُولُ اللّهُمّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ مُعَاذِ بْنِ زُهْرَةَ أَنّهُ بَلَغَهُ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ إذَا أَفْطَرَ ذَهَبَ الظّمَأُ وَابْتَلّتْ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ سَالِمٍ الْمُقَفّعِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ.

.إجَابَةُ دَعْوَةِ الصّائِمِ:

وَيُذْكَرُ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ لِلصّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ دَعْوَةً مَا تُرَدّ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

.تَحْدِيدُ وَقْتِ الْإِفْطَارِ:

نَهْيُ الصّائِمِ عَنْ الرّفَثِ:
قَالَ إذَا أَقْبَلَ اللّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النّهَارُ مِنْ هَاهُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصّائِمُ وَفُسّرَ بِأَنّهُ قَدْ أَفْطَرَ حُكْمًا وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ وَبِأَنّهُ قَدْ دَخَلَ وَقْتُ فِطْرِهِ كَأَصْبَح وَأَمْسَى وَنَهَى الصّائِمَ عَنْ الرّفَثِ وَالصّخَبِ وَالسّبَابِ وَجَوَابِ السّبَابِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ سَابّهُ إنّي صَائِمٌ فَقِيلَ يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ وَهُوَ أَظْهَرُ وَقِيلَ بِقَلْبِهِ تَذْكِيرًا لِنَفْسِهِ بِالصّوْمِ وَقِيلَ يَقُولُهُ فِي الْفَرْضِ بِلِسَانِهِ وَفِي التّطَوّعِ فِي نَفْسِهِ لِأَنّهُ أَبْعَدُ عَنْ الرّيَاءِ.

.فصل الْفِطْرُ فِي السّفَرِ:

وَسَافَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ وَأَفْطَرَ وَخَيّرَ الصّحَابَةَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.

.الْفِطْرِ فِي الْقِتَالِ:

وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ بِالْفِطْرِ إذَا دَنَوْا مِنْ عَدُوّهِمْ لِيَتَقَوّوْا عَلَى قِتَالِهِ. فَلَوْ اتّفَقَ مِثْلُ هَذَا فِي الْحَضَرِ وَكَانَ فِي الْفِطْرِ قُوّةً لَهُمْ عَلَى لِقَاءِ عَدُوّهِمْ فَهَلْ لَهُمْ الْفِطْرُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ أَصَحّهُمَا دَلِيلًا: أَنّ لَهُمْ ذَلِكَ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ تَيْمِيّةَ وَبِهِ أَفْتَى الْعَسَاكِرُ الْإِسْلَامِيّةُ لَمّا لَقُوا الْعَدُوّ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ وَلَا رَيْبَ أَنّ الْفِطْرَ أَوْلَى مِنْ الْفِطْرِ لِمُجَرّدِ السّفَرِ بَلْ إبَاحَةُ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ تَنْبِيهٌ عَلَى إبَاحَتِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَإِنّهَا أَحَقّ بِجِوَازِهِ لِأَنّ الْقُوّةَ هُنَاكَ تَخْتَصّ بِالْمُسَافِرِ وَالْقُوّةُ هُنَا لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ وَلِأَنّ مَشَقّةَ الْجِهَادِ أَعْظَمُ مِنْ مَشَقّةِ السّفَرِ وَلِأَنّ الْمَصْلَحَةَ الْحَاصِلَةَ بِالْفِطْرِ لِلْمُجَاهِدِ أَعْظَمُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ بِفِطْرِ الْمُسَافِرِ وَلِأَنّ اللّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَأَعِدّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوّةٍ} [الْأَنْفَالُ 60]. وَالْفِطْرُ عِنْدَ اللّقَاءِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْقُوّةِ. وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ فَسّرَ الْقُوّةَ بِالرّمْيِ. وَهُوَ لَا يَتِمّ وَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُهُ إلّا بِمَا يُقَوّي وَيُعِينُ عَلَيْهِ مِنْ الْفِطَرِ وَالْغِذَاءِ وَلِأَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لِلصّحَابَةِ لَمّا دَنَوْا مِنْ عَدُوّهِمْ إنّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ وَكَانَتْ رُخْصَةً ثُمّ نَزَلُوا مَنْزِلًا آخَرَ فَقَالَ إنّكُمْ مُصَبّحُو عَدُوّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا فَكَانَتْ عَزْمَةً فَأَفْطَرْنَا فَعَلّلَ بِدُنُوّهِمْ مِنْ عَدُوّهِمْ وَاحْتِيَاجِهِمْ إلَى الْقُوّةِ الّتِي يَلْقَوْنَ بِهَا الْعَدُوّ وَهَذَا سَبَبٌ آخَرُ غَيْرُ السّفَرِ وَالسّفَرُ مُسْتَقِلّ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي تَعْلِيلِهِ وَلَا أَشَارَ إلَيْهِ فَالتّعْلِيلُ بِهِ اعْتِبَارًا لِمَا أَلْغَاهُ الشّارِعُ فِي هَذَا الْفِطْرِ الْخَاصّ وَإِلْغَاءُ وَبِالْجُمْلَةِ فَتَنْبِيهُ الشّارِعِ وَحِكْمَتُهُ يَقْتَضِي أَنّ الْفِطْرَ لِأَجْلِ الْجِهَادِ أَوْلَى مِنْهُ لِمُجَرّدِ السّفَرِ فَكَيْفَ وَقَدْ أَشَارَ إلَى الْعِلّةِ وَنَبّهَ عَلَيْهَا وَصَرّحَ بِحُكْمِهَا وَعَزَمَ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يُفْطِرُوا لِأَجْلِهَا. وَيَدُلّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكّةَ: إنّهُ يَوْمُ قِتَالٍ فَأَفْطِرُوا تَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ الرّبِيعِ عَنْ شُعْبَةَ. فَعَلّلَ بِالْقِتَالِ وَرَتّبَ عَلَيْهِ الْأَمْرَ بِالْفِطْرِ بِحَرْفِ الْفَاءِ وَكُلّ أَحَدٍ يَفْهَمُ مِنْ هَذَا اللّفْظِ أَنّ الْفِطْرَ لِأَجْلِ الْقِتَالِ. وَأَمّا إذَا تَجَرّدَ السّفَرُ عَنْ الْجِهَادِ فَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ فِي الْفِطْرِ هِيَ رُخْصَةٌ مِنْ اللّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ.

.فصل الْفِطْرُ فِي السّفَرِ:

وَسَافَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي رَمَضَانَ فِي أَعْظَمِ الْغَزَوَاتِ وَأَجَلّهَا فِي غَزَاةِ بَدْرٍ وَفِي غَزَاةِ الْفَتْحِ. قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي رَمَضَانَ غَزْوَتَيْنِ يَوْمَ بَدْر وَالْفَتْحِ فَأَفْطَرْنَا فِيهِمَا.

.مَا اعْتَمَرَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلّا فِي ذِي الْقِعْدَةِ:

وَأَمّا مَا رَوَاهُ الدّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عُمْرَةٍ فِي رَمَضَانَ فَأَفْطَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَصُمْت وَقَصّرَ وَأَتْمَمْت فَغَلَطٌ إمّا عَلَيْهَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَوْ مِنْهَا وَأَصَابَهَا فِيهِ مَا أَصَابَ ابْنَ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي رَجَبٍ فَقَالَتْ يَرْحَمُ اللّهُ أَبَا عَبْدِ الرّحْمَنِ مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلّا وَهُوَ مَعَهُ وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطّ وَكَذَلِكَ أَيْضًا عُمَرُهُ كُلّهَا فِي ذِي الْقَعَدَةِ وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَمَضَانَ قَطّ.

.فصل حَدّ السّفَرِ لِرُخْصَةِ الْإِفْطَارِ:

وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَقْدِيرُ الْمَسَافَةِ الّتِي يُفْطِرُ فِيهَا الصّائِمُ بِحَدّ وَلَا صَحّ عَنْهُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ. وَقَدْ أَفْطَرَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيّ فِي سَفَرِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَقَالَ لِمَنْ صَامَ قَدْ رَغِبُوا عَنْ هَدْيِ مُحَمّدٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ.

.الْفِطْرُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مُجَاوَزَةُ الْبُيُوتِ:

وَكَانَ الصّحَابَةُ حِينَ يُنْشِئُونَ السّفَرَ يُفْطِرُونَ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مُجَاوَزَةِ الْبُيُوتِ وَيُخْبِرُونَ أَنّ ذَلِكَ سُنّتَهُ وَهَدْيَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَمَا قَال عُبَيْدُ بْنُ جَبْرٍ: رَكِبْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيّ صَاحِبِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي سَفِينَةٍ مِنْ الْفُسْطَاطِ فِي رَمَضَانَ فَلَمْ يُجَاوِزْ الْبُيُوتَ حَتّى دَعَا بِالسّفْرَةِ. قَالَ اقْتَرِبْ. قُلْتُ أَلَسْت تَرَى الْبُيُوتَ؟ قَالَ أَبُو بَصْرَةَ أَتَرْغَبُ عَنْ سُنّةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ؟ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَحْمَدُ.
وَلَفْظُ أَحْمَدَ رَكِبْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ مِنْ الْفُسْطَاطِ إلَى الْإِسْكَنْدَرِيّة فِي سَفِينَةٍ فَلَمّا دَنَوْنَا مِنْ مَرْسَاهَا أَمَرَ بِسُفْرَتِهِ فَقَرُبَتْ ثُمّ دَعَانِي إلَى الْغِذَاءِ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ. فَقُلْتُ يَا أَبَا بَصْرَةَ وَاَللّهِ مَا تَغَيّبَتْ عَنّا مَنَازِلُنَا بَعْدُ؟ قَالَ أَتَرْغَبُ عَنْ سُنّةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ؟ فَقُلْتُ لَا. قَالَ فَكُلْ. قَالَ فَلَمْ نَزَلْ مُفْطِرِينَ حَتّى بَلَغْنَا وَقَالَ مُحَمّدُ بْنُ كَعْبٍ أَتَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا وَقَدْ رَحَلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ وَقَدْ لَبِسَ ثِيَابَ السّفَرِ فَدَعَا بِطَعَامِ فَأَكَلَ فَقُلْتُ لَهُ سُنّةٌ؟ قَالَ سُنّةٌ ثُمّ رَكِبَ. قَالَ التّرْمِذِيّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَالَ الدّارَقُطْنِيّ فِيهِ فَأَكَلَ وَقَدْ تَقَارَبَ غُرُوبُ الشّمْسِ وَهَذِهِ الْآثَارُ صَرِيحَةٌ فِي أَنّ مَنْ أَنْشَأَ السّفَرَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ فَلَهُ الْفِطْرُ فِيهِ.

.فصل لَا حَرَجَ فِي اغْتِسَالِ الْجُنُبِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَفِي تَقْبِيلِ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ:

وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُدْرِكَهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ فَيَغْتَسِلُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَيَصُومُ. وَكَانَ يُقَبّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ وَشَبَهُ قُبْلَةُ الصّائِمِ بِالْمَضْمَضَةِ بِالْمَاءِ. وَأَمّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ مِصْدَع بْنِ يَحْيَى عَنْ عَائِشَةَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يُقَبّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ وَيَمُصّ لِسَانَهَا فَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَضَعّفَهُ طَائِفَةٌ بمِصْدَع هَذَا وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ قَالَ السّعْدِيّ: زَائِغٌ جَائِرٌ عَنْ الطّرِيقِ وَحَسّنَهُ طَائِفَةٌ وَقَالُوا: هُوَ ثِقَةٌ صَدُوقٌ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَفِي إسْنَادِهِ مُحَمّدُ بْنُ دِينَارٍ الطّاحِيّ الْبَصْرِيّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ أَيْضًا قَالَ يَحْيَى: ضَعِيفٌ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَقَالَ غَيْرُهُ صَدُوقٌ وَقَالَ ابْنُ عَدِيّ: قَوْلُهُ وَيَمُصّ لِسَانَهَا لَا يَقُولُهُ إلّا مُحَمّدُ بْنُ دِينَارٍ وَهُوَ الّذِي رَوَاهُ وَفِي إسْنَادِهِ أَيْضًا سَعْدُ بْنُ أَوْسٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ أَيْضًا قَالَ يَحْيَى: بَصْرِيّ ضَعِيفٌ وَقَالَ غَيْرُهُ ثِقَةٌ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبّانَ فِي الثّقَاتِ... وَأَمّا الْحَدِيثُ الّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ مَيْمُونَةَ مُوَلّاةِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَتْ سُئِلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ رَجُلٍ قَبّلَ امْرَأَتَهُ وَهُمَا صَائِمَانِ فَقَالَ قَدْ أَفْطَرَ فَلَا يَصِحّ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفِيهِ أَبُو يَزِيدَ الضّنّيّ رَوَاهُ عَنْ مَيْمُونَةَ وَهِيَ بِنْتُ سَعْدٍ قَالَ الدّارَقُطْنِيّ: لَيْسَ بِمَعْرُوفِ وَلَا يَثْبُتُ هَذَا وَقَالَ الْبُخَارِيّ: هَذَا لَا أُحَدّثُ بِهِ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَأَبُو يَزِيدَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ. وَلَا يَصِحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ التّفْرِيقُ بَيْنَ الشّابّ وَالشّيْخِ وَلَمْ يَجِئْ مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ أَبِي دَاوُد عَنْ نَصْرِ بْنِ عَلِيّ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزّبَيْرِيّ: حَدّثَنَا إسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي الْعَنْبَسِ عَنْ الْأَغَرّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ رَجُلًا سَأَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ لِلصّائِمِ فَرَخّصَ لَهُ وَأَتَاهُ آخَرُ فَسَأَلَهُ فَنَهَاهُ فَإِذَا الّذِي رَخّصَ لَهُ شَيْخٌ وَإِذَا الّذِي نَهَاهُ شَابّ وَإِسْرَائِيلُ وَإِنْ كَانَ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِمٌ قَدْ احْتَجّا بِهِ وَبَقِيّةُ السّتّةِ فَعَلَةُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَغَرّ فِيهِ أَبَا الْعَنْبَسِ الْعَدَوِيّ الْكُوفِيّ وَاسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ سَكَتُوا عَنْهُ.

.فصل صِحّةُ صِيَامِ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا:

وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إسْقَاطُ الْقَضَاءِ عَمّنْ أَكَلَ وَشَرِبَ نَاسِيًا وَأَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الّذِي أَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ فَلَيْسَ هَذَا الْأَكْلُ وَالشّرْبُ يُضَافُ إلَيْهِ فَيُفْطِرُ بِهِ فَإِنّمَا يُفْطِرُ بِمَا فَعَلَهُ وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ فِي نُوُمِهِ إذْ لَا تَكْلِيفَ بِفِعْلِ النّائِمِ وَلَا بِفِعْلِ النّاسِي.

.فصل الْمُفْطِرَاتُ:

وَاَلّذِي صَحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ الّذِي يَفْطُرُ بِهِ الصّائِمُ الْأَكْلُ وَالشّرْبُ.

.غَيْرُ الْمُفْطِرَاتِ:

وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يَصُبّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ صَائِمٌ.
إنْكَارُ الْمُصَنّفِ- تَبَعًا لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ- احْتِجَامُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ صَائِمٌ مَعَ أَنّهُ فِي الْبُخَارِيّ.
وَكَانَ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ وَهُوَ صَائِمٌ وَمَنَعَ الصّائِمَ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فِي الِاسْتِنْشَاقِ. وَلَا يَصِحّ عَنْهُ أَنّهُ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِم قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحِهِ قَالَ أَحْمَدُ حَدّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ لَمْ يَسْمَعْ الْحَكَمُ حَدِيثَ مِقْسَم فِي الْحِجَامَةِ فِي الصّيَامِ يَعْنِي حَدِيثَ سَعِيدٍ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَم عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ. قَالَ مُهَنّا: وَسَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ الشّهِيدِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ. فَقَالَ لَيْسَ بِصَحِيحِ قَدْ أَنْكَرَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيّ إنّمَا كَانَتْ أَحَادِيثُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَ خَمْسَةَ عَشَرَ حَدِيثًا. وَقَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللّهِ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فَضَعّفَهُ وَقَالَ مُهَنّا: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ حَدِيثِ قَبِيصَةَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَمّادٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَائِمًا مُحْرِمًا فَقَالَ هُوَ خَطَأٌ مِنْ قِبَلِ قَبِيصَةَ وَسَأَلْت يَحْيَى عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ عُقْبَةَ فَقَالَ رَجُلُ صِدْقٍ وَالْحَدِيثُ الّذِي يُحَدّثُ بِهِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ خَطَأٌ مِنْ قِبَلِهِ. قَالَ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الْأَشْجَعِيّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلًا أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَلَا يَذْكُرُ فِيهِ صَائِمًا. قَالَ مُهَنّا: وَسَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ؟ فَقَالَ لَيْسَ فِيهِ صَائِمٌ إنّمَا هُوَ مُحْرِمٌ ذَكَرَهُ سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ احْتَجَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ.
وَرَوَاهُ عَبْدُ الرّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ خُثَيْم عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ احْتَجَمَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ.
وَرَوْحٌ عَنْ زَكَرِيّا بْنِ إسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ ابْنِ عَبّاسٍ لَا يَذْكُرُونَ صَائِمًا. وَقَالَ حَنْبَلٌ حَدّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللّهِ حَدّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ يَاسِينَ الزّيّاتِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَنَسٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ احْتَجَمَ فِي رَمَضَانَ بَعْدَ مَا قَالَ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ الرّجُلُ أَرَاهُ أَبَانَ بْنَ أَبِي عَيّاشٍ يَعْنِي وَلَا يُحْتَجّ بِهِ. وَقَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللّهِ رَوَى مُحَمّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ النّيْسَابُورِيّ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ السّدّيّ عَنْ أَنَسٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَنْكَرَ هَذَا ثُمّ قَالَ السّدّيّ عَنْ أَنَسٍ قُلْت: نَعَمْ فَعَجِبَ مِنْ هَذَا. قَالَ أَحْمَدُ وَفِي قَوْلِهِ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ غَيْرُ حَدِيثِ ثَابِتٍ. وَقَالَ إسْحَاقُ قَدْ ثَبَتَ هَذَا مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ. وَالْمَقْصُودُ أَنّهُ لَمْ يَصِحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ وَلَا صَحّ عَنْهُ أَنّهُ نَهَى الصّائِمَ عَنْ السّوَاكِ أَوّلَ النّهَارِ وَلَا آخِرَهُ بَلْ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَافُهُ. وَيُذْكَرُ عَنْهُ مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصّائِمِ السّوَاكُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ وَفِيهِ ضَعْفٌ.